Loading...
بث مباشر
هل تعتقد أن الجنيه المصري سيواجه و يتغلب علي باقي العملات الأجنبية الأخري في يوم من الأيام ؟
نعم | و لكن هذا سيتطلب وقت كبير و يجب علينا إستثمار الوقت و الجهد معا
لا | و يجب إستثمار الوقت و الجهد في زيادة المرتبات
لا اهتم

الرئيسية

/ دنيا ودين

/ بسن القلم : من حكايات الماضي الجميل

بسن القلم : من حكايات الماضي الجميل

ارشيفية
ارشيفية

السبت 09 سبتمبر 2017-04:49: 4 م

تعودت أثناء دراستي بكلية التربية بالقاهرة أن أخرج يوميا بعد صلاة المغرب وفي يدي المصحف لكي أحفظ وأراجع ماحفظته (الماضي) داخل أسوار المدينة الجامعية ولمن لا يعرف فقد كانت تلك المدينة وخصوصا في هذا التوقيت ساحرة بحق فقد كانت أشبه بالفندق الراقي ذي الثلاث نجوم ولم لا وهي حديثة لم يمض علي إنشائها سوي ثلاثة أعوام فقد بنيت خصيصا في مدينة نصر بجوار مجمع استاد القاهرة لتكون مقرا لإعاشة الرياضيين الأفارقة أثناء استضافة مصر لدورة الألعاب الإفريقية عام 1991م...
وبعد انتهاء فعاليات الدورة تم تسكين طلاب جامعة الأزهر الشريف بها وكانت تسمي وقتها مدينة مبارك...
وكنت أقوم بالحفظ والمراجعة إلي صلاة العشاء وبعد الفراغ من أداء الصلاة في مسجد المدينة أقوم بركوب أتوبيس نقل عام وبالتحديد أتوبيس خط مدينة نصر - العباسية ويحمل رقم 72/ بِشَرْطَة نعم بِشَرْطَة فالظاهر من قلة الأرقام كانت باصات القاهرة يضعون لها شرطة للتمييز بين الخطوط وبعضها...
وكانت التذكرة بعشرة قروش...
وكان هذا الباص يتجه من مدينة نصر وبالتحديد من الحي السادس إلي ميدان العباسية وهو ميدان ضخم عريق يربط بين القاهرة الحديثة متمثلة في مصر الجديدة ومدينة نصر - طبعا هذا قبل بناء الدائري والتجمع والقاهرة الجديدة وغيرها- وبين القاهرة العتيقة كمصر القديمة بأحيائها التاريخية ورمسيس والعتبة والموسكي والسيدة زينب والسيدة عيشة والإمام الشافعي ومرورا بصلاح سالم والقلعة والمقطم والقطامية والدويقة والجبل الأخضر والمقاولين العرب ونزولا إلي حي الأزهر والحسين والغورية وووو....
ولميدان العباسية ذكريات محفورة في ذاكرتي فهو بمثابة منتصف الدائرة ومحور الارتكاز لتجوالي في قاهرة المعز...
وبعد نزولي من الباص أبدأ رحلتي اليومية فأتجول في الشارع الملاصق للميدان ويسمى شارع الجيش والذي به شركة مصر للسياحة وهو يصل ميدان العباسية بميدان باب الشعرية ومستشفى سيد جلال ومنه لميدان العتبة مرورا بالقبة الفيداوية وكلية الهندسة جامعة عين شمس وشارع دنش ومكتبة سمير وعلي ( أول فرع وقتها في الجمهورية ) وشارع أحمد سعيد الخ... ودار الغد العربي والتي كنت أقوم بتجميع خواطر الشيخ الشعراوي رحمه الله من باعة الجرائد حتى يكتمل المجلد ثم أذهب لدار الغد العربي في العباسية فأستبدل ما جمعته من أجزاء بالمجلد الذي عليه الدور وهكذا حتى انتهيت من المجموعة كلها وصار عندي جميع مجلدات خواطر الشيخ الشعراوي وكان هذا يتم بمساعدة مادية ومعنوية من والدي رحمه الله... ولعل هذا قد شجعني فكررت نفس التجربة مع كتاب ضخم جدا وهو مفاتيح الغيب أو ما يسمى بالتفسير الكبير للإمام الرازي ويقع في ثلاثين مجلد...
وكان الجزء وقتها لا يتعدي الجنيهين وهو مبلغ كنت أدبره من مصروفي بمساعدة والدي العظيم وبمجرد اكتمال ملازم المجلد كنت أستبدله بمجلد جاهز مقابل دفع مبلغ ثلاثة جنيهات نظير التجليد وهكذا حتى اكتملت المجموعة...
هذا ولي في شارع الجيش ذكريات جميلة فإلي اليوم مازلت أشم رائحة الكبدة الإسكندراني والسجق المسلوق المتبل ذي اللون الوردي المميز والذي تفوح منه رائحة التوابل الحريفة...
وبالطبع لابد من تناول العشاء من هذين الصنفين الشهيين شبه يوميا
فكنت أشتري أربع أنصاص فينو كان ثمن النص ربع جنيه يعني المجموع واحد جنيه مصري فقط لاغير...
هذا بالإضافة للمخللات والمشهيات والذي مِنُّه....
وبعدها أحبس بشوب عصير قصب فِرِش من عم محمود صاحب عصارة الميدان...
وبعد امتلاء التنك أواصل سيري وتجوالي لأشاهد خلق الله وهم يشترون ويفاصلون وربما يتشاجرون....
وكانت من فقراتي الثابتة المعتادة داخل الميدان أن أذهب لبائع الجرائد اليومية الشهير علي ناصية الميدان وكانت لي خصلة عجيبة لا أحسبهاموجودة عند الكثيرين وهي أنني كنت أعشق رائحة الجرائد والمجلات وخصوصا مطبوعات دار الهلال سواء ميكي أوسمير أو مجلةالكواكب...
فكانت لها رائحة مميزة تجذبني بجانب ارتباطها بطفولتي حيث كان أبي رحمه الله يشتريها لي كل أسبوع - ميكي وسمير طبعا مش الكواكب -
وكان بائع الجرائد هذا مميزا بحق فعند الساعة التاسعة مساءا تجد عنده الطبعة الأولى ثم تتوالي باقي الطبعات لليوم التالي ولكني في حقيقة الأمر كنت أفضل إنفاق ميزانيتي اليومية المحدودة في ملأ البطن عن ملأ العقل...
فكنت أجلس بجواره لأتصفح ما أريده وفقط ولعل الذي جعلني لاأريد شراء أي جرنال بالإضافة لموضوع الميزانية التي تضيع علي البطن هو أنه يتم تعليق كافة الجرائد اليومية في الصباح علي إحدي جدارن المدينة في مكان مخصص لذلك...
أما الكبدة والسجق فلا تعلق مجانا!
وبمناسبة الكبدة التي كنت أتناولها في العباسية... فإنه إلي يومنا هذا وبعد مرور ما يزيد عن اثنين وعشرين عاما لا أزال أطلب من زوجتي إعدادها لي بنفس المواصفات لدرجة أنها تقول لي:
هيه عاوز تاكل إيه النهاردة؟!
وقبل أن أجيب تقول:
تحب أعملك كبدة عباسية ( مش إسكندرانية) ؟!
وبالطبع تفوح رائحتها في أنفي وتغطيني الذكريات الجميلة وأيام التسكع وراحة البال وأشعر بأنني رجعت إلى منتصف العمر فأبادرها قائلا:
طبعا طبعا.... هوه في أحلي من أكل أيام الكحرته... حيث كان الجيب خالي بس النفس كانت سعيدة هنية...
ولنا لقاء آخر مع حكايات أخري من الماضي الجميل.