Loading...
بث مباشر
هل تعتقد أن الجنيه المصري سيواجه و يتغلب علي باقي العملات الأجنبية الأخري في يوم من الأيام ؟
نعم | و لكن هذا سيتطلب وقت كبير و يجب علينا إستثمار الوقت و الجهد معا
لا | و يجب إستثمار الوقت و الجهد في زيادة المرتبات
لا اهتم

الرئيسية

/ دنيا ودين

/ بسن القلم: قصة قصيرة ( حقيبتي )

بسن القلم: قصة قصيرة ( حقيبتي )

ارشيفية
ارشيفية

الأحد 11 مارس 2018-15:17:11 م

في طريق عودته إلي الوطن حمل شاكر حقيبته الوحيدة ولم يدر أين يضعها علي العبارة فالمسافرون كثر والبضائع تملأ الميناء والهرج والمرج يسيطران علي الأجواء ...
ولقلة خبرته في السفر عموما والسفر عن طريق البحر خصوصا... كان يظن أنه سيأخذ حقيبته المصونة في حضنه أو يتخذها متكأً لرأسه وهو في العراء علي سطح العبارة فتَذْكَرْته بالكاد سمحت له بالسفر علي السطح...
فتلفت حوله عَلَّه يجد من يسعفه ويدله فإذا برجل ثلاثيني يبدو عليه الكحرته وتظهر عليه وبشدة علامات وآثار الغربة فقد أطلق لحيته المبعثرة شعيراتها ولم يهتم بملابسه الرثة فضلا عن رائحة العرق التي تزكم الأنوف والتي تنبعث من كل شبر في جسده...
باختصار كانت حالته أوقع نموذجا للمغترب الكحيت...
اقترب الرجل الكحيت من شاكر ودلَّه علي تسليم حقيبته للعامل في بطن العبارة فشكره ولم يعقب بل هرول لأسفل حاملا حقيبته اليتيمة والتي لملم فيها حاجياته البسيطة وبعض الهدايا والتي عاد بها إلى أرض الوطن بعد غربة قصيرة قضي معظم أوقاتها في غم وهم ونكد...
والعجيب حقا أنه إذا قُدِّر لأحد أن يغوص داخل تلك الحقيبة مستكشفا ما تحويه سيجد أنها ممتلئة بهدايا متنوعة لكل الأهل والأحباب فقد كان شاكر برغم خساراته المادية والمعنوية الفادحة في تجربته في السفر إلا أنه بطبعه كريم لا يمكنه أن يعود للوطن بدون أن يشتري لأهله الهدايا التي تسعدهم...
مع العلم أن هناك الكثيرين يسافرون بالسنين ويعودون لأهاليهم بأيادي فارغة بحجة أن المهم أن تكون جيوبهم مملوءة...
عاد شاكر بعد أن أودع حقيبته في كونتينر داخل جوف العبارة واستلم بدلها وصلا دسَّه في جيبه واطمأن باله وظن أن الأمر قد انتهي وما عليه سوي انتظار الوصول إلي البر الآخر...
بدأت رحلة العودة ورويدا رويدا اختفى الشاطئ وتلاطمت الأمواج ولكن هيهات أن تؤثر في جسد العبارة العملاقة وإن كان هذا المشهد يضرب كيان شاكر ويقلب شريط حياته والذي يري أنها توقفت منذ لحظة سفره وهاهو يتمني أن يعود لأحبابه لعل حياته الحقيقية تعود إليه...
سويعات مرت عليه كدهر...
من يراه فيها أحيانا يظن أنه أسعد الناس وأحيانا أخري يري بين قسمات وجهه أسمي آيات القهر والذل والخيبة...
شرَّق شاكر وغرَّب وشمأل وجنَّب وسبح في أحلام يقظته حتي انكفأ علي وجهه بعد أن أخذته سنة من النوم...
حاول مقاومتها مرارا ولكنه سقط في الأخير في بحر من النوم العميق لم يفق منه إلا على صوت الكحيت وهو يوقظه في غلظة واضحة لم تَرُق لشاكر ولم يستوعب وقتها سر اهتمام هذا الكحيت به ولكنه بمجرد أن استعاد كامل وعيه لاحظ شيئا غريبا...
فالكحيت لم يعد هو نفسه ذلك الرجل الرث المهمل الهيئة بل علي العكس تماما وجده شخصا غِير...
فقد وقف أمامه شخص حليق الذقن يرتدي جلبابا زبدة وعلبة المارلبورو الحمراء في جيب الجلباب العلوي وتفوح من جسده رائحة البرفان الباريسي الفاخر...
وقبل أن يستفسر منه عن سبب ذلك التغير الواضح صدح المذيع الداخلي للعبارة بعبارات مفادها أنهم علي وشك الدخول في المياه الإقليمية المصرية...
وهنا أدرك سر التغير علي الكحيت أو الذي كان كحيتا فهو الآن صار كالعمدة أو علي الأقل شيخ البلد بعد أن أزال عن جسده ونفسه أدران الغربة وكَحَت عن قفاه آثار الذل وخلع عن وجهه قناع العبودية للكفيل ولقمة الذل وارتدي قناع الفشخرة والوجاهة الخليجية فبدا للرائين كأنه فتح عكا أو وحَّد الخليج وتناسي سنينا من الذل والإهانة وضياع الكرامة بعد أن وضع يده علي كرشه المتدلي من كثرة أكله للمندي والكبسة علي حساب صاحب المخل أقصد الكفيل فقد كانت هذه هي الحسنة الوحيدة التي كان يراها فيه...
فكفيله يعلفه ليلا ليمتطيه نهارا...
ولم يكن يري في ذلك غضاضة ما دام سيرجع لزوجته وأولاده وهو يحمل المصاري التي ستملأ أفواههم وجيوبهم...
لم يكن يشغله كمية الأمراض التي حملها من غربته والتي سرعان ما ستقضي عليه وسيترك ماله الذي جناه بالذل لأولاده الذين فسدت أخلاقهم لأنهم لم يجدوا أبا يربيهم بل امتلكوا ماكينة atm متحركة تلبي احتياجاتهم...
أما زوجته فسرعان ما ستجد زوجا آخرا ينعم معها بما جناه الثور الأحمق...
أفاق شاكر من شروده اللحظي ليستعد للنزول من العبارة إلي رصيف الميناء وما هي إلا دقائق معدودات حتي وجد نفسه وسط الرصيف لا يعرف ماذا يفعل ولا أين سيذهب؟!
ولكن الشيئ الوحيد الذي سيطر عليه هو :
مكان حقيبته الغراء... فقد وجد الجميع يلتفون حول الكونتينرات التي تحمل الحقائب والبضائع المشحونة...
ومعظمهم يعرفون هدفهم ويدركون ما يفعلون لذلك وصلوا لمبتغاهم بسرعة وخبرة...
أما هو فقد أخذ يبحث هنا وهناك ولكن لا أثر لحقيبته البائسة حتي أدركه اليأس وفوض أمره لله...
وتقوقع علي مصطبة أسمنتية دافنا وجهه بين يديه وقد اسودت الدنيا في عينيه فقد ضاعت الحقيبة التي كانت تمثل له أملا كبيرا في إسعاد أحبابه...
وبينما هو في تلك الحالة إذ بعامل من عمال الميناء يسأله عن ضالته فأخبره بأوصافها فوعده بإحضارها له مقابل الحلاوة فوافق...
وماهي إلا دقائق حتي كانت حقيبته الشاردة في حضنه وبين يديه...
وقبل أن ينصرف إذا بالرجل الذي كان كحيتا يقف أمامه يعرض عليه توصيله إلي بلدته مجانا مقابل أن يأخذ حقيبة من حقائبه وما أكثرها فوافق شاكر علي مضض فهو لم يكن يملك رفاهية الاختيار فهو شبه مفلس...
وبالفعل خرجا سويا من الجمرك بدون مشاكل...
وركبا سيارة أجرة بعد تحميلها بالحقائب ومع أول استراحة علي ساحل البحر الأحمر استوقف الرجل النذل (الذي كان كحيتا) السيارة لكي يتناولا بعض المأكولات وطلب من شاكر النزول أولا وبمجرد نزوله غمز بعينه للسائق بإشارة ذات مغزي فانطلق بالسيارة تاركا خلفه شاكر بلا حقيبة وبلا نقود ولا... أمل...
وصل شاكر إلي بيته مكسور الفؤاد مهيض الجناح بعد أن جمع نقود العودة من أولاد الحلال...
وعبثا حاولت زوجته إخراجه من حالة البؤس التي أصابته...
ولكن القدر كان رحيما به...
فبعد مرور عدة أيام رن جرس الباب وكان الطارق شابا عشرينيا ففتح له الباب وقبل أن يستوضح منه عن سبب الزيار
 
وقع نظره علي يد الشاب فوجد فيها حقيبته الحبيبة...
وعلم من الشاب أن الحقيبة كانت ضمن الحقائب التي وجدها في حطام السيارة الأجرة التي كانت تقل أخاه (رحمه الله) والسائق بعد أن انقلبت عدة مرات إثر انفجار إحدي إطاراتها...
واستأذنه بالانصراف بعد أن استسمحه عذرا لأنه فتح الحقيبة ليستدل علي صاحبها...
وفور انصرافه طار شاكر فرحا وكأن روحه عادت إليه لا من أجل عودة الحقيبة بل لأنه كان يريد أن يسعد أحبابه بما فيها...
وشيئ آخر يخصه هو ولا يُقَدِّرُه أحد إلا هو....
عفوا عزيزي القارئ :
يكفيك ذلك ولا تكن فضوليا...
فلن تعرف!!!
#بسن_القلم