Loading...
بث مباشر
هل تعتقد أن الجنيه المصري سيواجه و يتغلب علي باقي العملات الأجنبية الأخري في يوم من الأيام ؟
نعم | و لكن هذا سيتطلب وقت كبير و يجب علينا إستثمار الوقت و الجهد معا
لا | و يجب إستثمار الوقت و الجهد في زيادة المرتبات
لا اهتم

الرئيسية

/ دنيا ودين

/ سن القلم : قصة قصيرة: (نور وضياء)

سن القلم : قصة قصيرة: (نور وضياء)

ارشيفية
ارشيفية

الأحد 18 مارس 2018-29:39:11 م

 

وقفت المرأة العجوز في الميدان الفسيح والذي يموج بالناس ويعج بالسيارات المختلفة الأشكال والأنواع في ساعة الذروة حيث خروج الموظفين...
وكان يبدو عليها آثار الفقر المدقع وخطَّ الدهر علي وجهها علامات الشقاء والعَوَز...
وكانت الحيرة تغتالها فقد كانت تمسك بمظروف ضخم يكاد يغطي نصف جسدها النحيل ومكتوب عليه ما يدل على أنه لتحاليل طبية وأشعات مختلفة...
وأخيرا قطعت حيرتها وتغلبت علي ترددها وتوجهت لرجل في منتصف الأربعينات من عمره توسمت فيه الرحمة في زمن قل فيه الراحمون وندر فيه من يهتم بأمر الآخرين...
وبمجرد أن رآها تتجه نحوه سارع هو بمد يد العون لها فقد قرأ بخبرته في الحياة أنها علي وشك الانهيار وأنها تحاول بكل ما أوتيت من قوة وصبر أن تتماسك...
لذا سألها عن سبب ما هي فيه من وجل وروع فعرف منها باقتضاب أنها أنفقت آخر جنيه معها في تلك التحاليل والأشعات ولا تدري كيف تعود لقريتها...
فعرض عليها أن يقوم بتوصيلها إلي منزلها بسيارته فرفضت رفضا تاما خوفا عليه من أن ينشغل عن عمله وعبثا حاول إقناعها ولكنه توقف فجأة عندما لمح دموعها وهي توشك أن تسقط علي خديها معلنة الانهيار التام لها خاصة مع تهدج صوتها وتقطعه مما خلع قلبه هو الآخر وأدمعت عيناه وهو يربت علي كتفها بحنان الابن علي أمه وطبع قبلة علي يدها معلنا لها أن الدنيا مازالت بخير...
وللحق فقد عزم وقتها أن يقف بجوارها ولو كان ذلك آخر عمل له في دنياه فنسي عمله وترتيباته وكل شيئ...
ولكن المرأة العفيفة الضعيفة أبت بصلابة الجبال أن تعطله ومع إلحاحه الشديد عليها بضرورة المساعدة ومع كثرة مناداته لها بيا أمي وافقت أخيرا علي أن يعطيها خمسة جنيهات فقط هي ثمن عودتها إلي قريتها...
ولكنه أخرج ورقة بخمسين جنيها وصمم أن تأخذها منه وعلي مضض وافقت وهي تدعو له من سويداء قلبها...
وقبل أن تنصرف سألها عن ثمن تلك الأشعات والتحاليل فأخبرته بأنها بأكثر من ثلاثة آلاف جنيه وهي مجرد نوع من عدة أنواع من الإجراءات والفحوصات الطبية والتي تجريها لابنها المريض بالمرض الخبيث وأنها باعت كل ما تملك لتنقذ حياته في زمن الموت فيه راحة... فشيعها بنظرة وداع... وأكملت هي مسيرتها وهي بالكاد تستطيع رفع رجلها من علي الأرض من شدة التعب النفسي قبل الجسدي...
وأكمل هو طريقه وهو لا يدري لماذا تركها...
ولكن ما جعله يطمئن ولو قليلا أن مثل هذه المرأة لا يُخْشَى عليها فهي امرأة بمائة من الرجال وبمقام عدد لاحصر له من التافهين الفارغين...
ولكنه يدري قلبه تماما ولم لا وهو قلبه هو...
فمشي بسيارته وراءها بهدوء و بدون أن تشعر به...
فوجدها تدخل بناية قديمة كاد طول الدهر يبليها...
فانتظرها بالخارج لمدة نصف ساعة لحين خروجها ولكنها لم تخرج فأصابه القلق عليها فنزل من سيارته ودخل تلك البناية العتيقة ليستكشف السر وراء اختفائها...
وهاله أن رآها وهي تبيع ما تبَقَّي لها من دمها لبنك دم تحت السلم وبثمن بخس...
فهي لم تعد تمتلك سواه بعد أن تنكَّر لها الناس وانصرفوا لشئونهم ولم يبق لها بعد الله من عون ومن سند...
وهنا أقسم بالله أن يجعلها مَعْبَرَه إلي الجنة...
فأظهر لها نفسه فلما رأته أرادت أن توضح له الأمر حتي لا يفهمها بالخطأ...
ولكنه وفَّر عليها معاناة التبرير وأخبرها أنه من الآن وصاعدا سيكون كتفه بكتفها وسيحاول مساعدتها بكل ما يستطيع شاءت هي أم أبت...
وأول شيئ سيقوم به أن يوصلها بسيارته لقريتها القريبة من المدينة فوافقت أخيرا فلم يعد جسدها يتحمل القفز من سيارة أجرة لغيرها...
وبينما هما في الطريق أخذ يُسَرِّي عنها بحلو حديثه وقفشاته ومواقفه الضاحكة وهي ضحكت كثيرا من قلبها وكأنها لم تضحك من سنين...
وتوقف بالسيارة عند أقرب محل للمأكولات السريعة فاشتري بعض الساندويتشات الخفيفة وعلبتين كانز باردتين...
وعندما عاد للسيارة وجد المسكينة قد غطَّت في نوم عميق لدرجة أنه سمع شخيرها يرتفع وينخفض وبدون توقف...
فواصل الرحلة دون أن يوقظها فهو يري أن النوم بعد المعاناة التي واجهتا اليوم أفضل مليون مرة من أي طعام...
وعلي العموم هاهو يوشك أن يصل لمشارف القرية...
ومن خلال حديثه معها عرف مكان المنزل...
وبمجرد الوصول إليه أراد أن يوقظها برفق فنادي عليها بلطف فلم تستجب فهزها بيده بحنان ولكنها لم تفق...
وهنا لاحظ أنها تبتسم ابتسامة ملائكية ويبدو علي وجهها نور وضياء...
نعم نور وضياء لا يشعان إلا مِنْ وجه مَنْ... مات... وهو راضٍ!
#بسن_القلم